الشيخ عبد الغني النابلسي

380

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

وترتب في الظهور بالتقدم والتأخر والزيادة والنقصان . فظهر أي هذا الوجود لنفسه متجليا بصور العالم المختلفة كما هو ظاهر لها من الأزل بغير تلك الصور فكمل الوجود في ظهوره بمراتب أسمائه وصفاته ، وهو كامل في ظهوره بذاته لذاته من الأزل فكانت حركة وجود العالم في كل لمحة حركة حبية أي منبعثة عن المحبة من الحق تعالى ومن أعيان العالم أيضا كما مر ، وهي حركة إيجاد للعالم بالنسبة إلى الحق تعالى ، وحركة عمل خير أو شر أو إباحة في المكلف ، وغير ذلك في غيره بالنسبة إلى أعيان العالم ، وهي حركة واحدة في نفس الأمر للأمر الإلهي لا لغيره ، ولكنها كثرت وتنوعت نسبتها إلى أنواع كثيرة كما كثر الأمر مع وحدته في نفسه ، وكثرت المحبة لكثرة أنواع الحركة الواحدة ، فكانت أنواع المحبة كلها للكمال أي لطلبه وتحصيله وهو الوجود المتنوع بالصور فافهم يا أيها السالك . ألا تراه كيف نفّس عن الأسماء الإلهيّة ما كانت تجده من عدم ظهور آثارها في عين مسمّى العالم فكانت الرّاحة محبوبة له . ولم يوصل إليها إلّا بالوجود الصّوريّ الأعلى والأسفل . فثبت أنّ الحركة كانت للحبّ ، فما ثمّ حركة في الكون إلّا وهي حبيّة . فمن العلماء من يعلم ذلك ومنهم من يحجبه السّبب الأقرب لحكمه في الحال واستيلائه على النّفس . ألا تراه أي لوجود الحق كيف نفّس بتشديد الفاء من قوله عليه السلام : « نفس الرحمن يأتيني من قبل اليمن » « 1 » فكان الأنصار ، والنفس : بفتح الفاء يحصل التنفيس به أي التعريج عما في القلوب الحيوانية من حرارة الروح المنفوخ على جهة المثال للمقصود ، فإذا أراد الحيوان أخرج ذلك النفس بالتنفيس صوتا فإن كان إنسانا يظهره صور حروف وكلمات تحمل معاني مقصودة له أو غير مقصودة كما قال تعالى : فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ [ الذاريات : 23 ] عن الأسماء الإلهية ما كانت تجده أي الأسماء من الكرب من عدم ظهور آثارها المقدرة لها في عين مسمى العالم على اختلافه ، فلم يزل ذلك التنفيس أبدا ، ومنه

--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .